محمد جواد مغنية
215
في ظلال الصحيفة السجادية
ما ذكره الإمام عليه السّلام من الدّموع الفائضة ، والقلب الخافق ، والأعضاء المتهدمة هو كناية عن قوة إيمانه باللّه ، وانقطاعه إليه ، وخوفه منه مع الحياء من سؤاله تعالى ، ومناجاته ، والسّبب الموجب لذلك ما أشار إليه بقوله : ( لسوء عملي ) والّذي نفهمه من هذا الاعتراف أنّه تصاغر لعظمة اللّه ، وتقدير لجلاله ، وكماله ( ولذاك خمد صوتي عن الجأر إليك ) الجأر : رفع الصّوت بالدّعاء إليه تعالى ( فكم من غائبة ) من فعلة قبيحة ، ومثلها شائبة ( ألممت بها ) مارستها ، وفعلتها ( ولم تقلّدني مكروه شنارها ) لم تفضحني أمام الملأ بعارها ، وأقذارها ، وفي دعاء آخر : « فكلّنا قد اقترف العائبة فلم تشهره ، وارتكب الفاحشة فلم تفضحه » « 1 » . ولو أنّ اللّه سبحانه فضح في عاجل الدّنيا كلّ مذنب ، ومسيء لارتدع عن القبيح لا لقبحه ، ولا خوفا من اللّه ، وطاعة لأمره ، بل خوفا من الفضيحة ، وعندئذ يتعذر التّمييز بين الطّيب الّذي يستحق المدح ، والثّواب وبين الخبيث الّذي يستحق الذّم والعقاب . ( ولم تبد سوأتها ) جمع سوءة ، وهي الخلة القبيحة ( من جيرتي ) جيراني ( وحسدة نعمتك عندي ) الحسدة : جمع حاسد ، ونعوذ باللّه من كيد الحاسدين ، وتكلمنا حول الحسد « 2 » ، ( ثمّ لم ينهني ذلك عن أن جريت إلى سوء ما عهدت منّي ) سترت يا إلهي الكثير من عيوبي ، وكان عليّ أن أشكر ، وأنتهي ، ولكني تماديت فيما لا يرضيك . وبعد ، فإنّ التّضرّع ، والتّذلّل للّه سبحانه هو نوع من عبادة الخاشعين ، وخوف العابدين ، ويقين العلماء الّذين عناهم سبحانه بقوله : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ « 3 » .
--> ( 1 ) سيأتي في الدّعاء ( الرّابع والثّلاثون ) . ( 2 ) انظر ، الدّعاء الثّامن : فقرة الحسد . ( 3 ) فاطر : 28 .